recent
أخبار ساخنة

ضحكات تموت غادة فطوم

ضحكات تموت غادة فطوم - قصة قصيرة



ضحكات تموت غادة فطوم



قصة  غادة فطوم ضحكات تموت 


الوجه كالبدر التمام، والعينان زجاجتان جامدتان.

لم تتوقع يوما أن تنجب طفلاً أعمى. ولكن وقد حصل ما حصل ليس أمامها إلا أن تختبر أمومتها. 

لم تتوقع أيضا أن تكون الأمومة موضع اختبار، لكنها الحقيقة.

والآن، وقد أبعدت كلّ الاحتمالات التي تمس قدسية الأمومة هيّأت نفسها لقضاء حياة مختلفة، فهذا الوجه الملائكي لا يمكن إلا أن يبصر، ستكون عينيه لتزيد من بصيرته حدة وثراء. حين جاء الطبيب بعد أيام من ولادة الطفل فوجئ الجميع بالاكتشاف القاهر . الطفل لا يبصر.. قالها الطبيب وكأنها نتيجة طبيعية لمعادلة رياضية مجردة. عبس الأب وابتلع حزنه على مضض. أما الأم فقد كتمت صرخة براحة كفّها، شهقت وتراجعت عن السرير الصغير  وراحت تحدق إلى يدين صغيرتين تلوحان بفوضى طفولية،أو تحاربان هواء ضاغطاً. ومع خروج الطبيب كان الطفل يطلق بكاء حاداً... والأم ما زالت بعيدة.أسندت ظهرها على الحائط وسمحت لآهاتها بالانطلاق.

هو القدر، يرينا أحيانا قسوته، لعبته المحببة . غير مبال بعواطفنا كبشر، آباء وأمهات . الأب الذي ابتلع قهره وخرج مودعا الطبيب. والأم التي غطت وجهها الدموع، واحمرت عيناها بقهر لا يمكن إخفاؤه أن تعيش مع شخص أعمى شيء، وأن يكون ذاك الشخص ابنك شيءٌ آخر، هو الحس البشري، لا يمكنه أن يخدع مهما تظاهرنا بقبولنا موضوعية الأشياء.

أيام عدة تمر، تتغير أغاني الأم، ينفلت الفرح من وجهها فيصير أغاني شجية، يضحك لها الصغير ويطوّح بيديه في الهواء، وتنأى تلك المواويل الحزينة التي كانت تبكيه. الأب يسأل عن سرّ هذا الفرح وقد طغى على سلوك الأم. فتجيب:

أحاول أن أنقل إليه الفرح،أما تكفيه حياةٌ سيعيشها دون نظر؟!! يبتلع الأب غصّاته ويمضي. وتتابع الأم أغانيها والسرير الصغير يضج بضحكات طفولية عذبة.

ستذهب كلّ الأغاني سدى. المواويل الحزينة، والعتابا الفرحة. أجل.. ستذهب. سيجيء الطبيب ناقلاً أخباراً أشد إيلاماً من الخبر الأول.

الطفل مريض، ولا أظن أنه سيعيش طويلاً.

الطفل يعود إلى البكاء. والأب يندهش. أما الأم فتعود لنبش المواويل من ذاكرتها، لكنها تتراجع فجأةً، تبعد كل ما هو حزين، وتعود بعد خروج الطبيب إلى أغاني الفرح. لا غرابة أن نتآلف مع الحزن وأن نجابهه بفرح مصطنع. ربما نخفف من وطأته، وربما يغير  هو من قسوته، ويرأف بقلب أم موزع بين فرح وحزن، تماماً كما توزعت بين العتابا والمواويل.

وأمام استغراب الأب،مرة أخرى تبوح الأم بأمومتها..

سأجعل من أيامه القليلة فرحاً بفرح. سأجمع ضحكات الدنيا كلها وأرميها في سريره.

تنهض الأم تقف أمام الأب منتصبة بشموخ:

لن أحزن عليه. بل سأفرح لأجله. تنهمر دموعها خيوطاً من لؤلؤ، تنسال فوق وجنتيها. الوجه مبتسم, والأب تزداد نظراته اندهاشاً وهو يتملى وجهها الغريب، دموع وفرح وتحدٍّ.. احتضنها بذراعه وخطا معها باتجاه السرير الصغير .

الوجه ما زال مدوراً كبدر التمام، أما حركات يديه فقد هدأت، وجمدت, حبّتا الزجاج في عينيه، وعلى ثغره ارتسمت إلى الأبد ابتسامةٌ طفولية عذبة.

إهداء لكل الأمهات اللواتي أكرمن بأبناء نجباء


ضحكات تموت

قصة قصيرة

غادة فطوم / سورية 



google-playkhamsatmostaqltradent